عبد الملك الجويني
479
نهاية المطلب في دراية المذهب
فإذا قلنا : يعجل ثم يستخدم ، وجرينا على الأصح ، وهو إيجاب الأقل ، فلا يقدِّم إلا نفقةَ اليوم ، وإن كان قد يستخدمه في غَرْمه ( 1 ) أياماً ؛ فإن إيجاب تعجيل ما لم يجب محال ، وقد ذكرنا أن نفقة كل يوم تجب من صُبحه . وهذا القدر من التفريع كافٍ منبهٌ على الغرض ، على أني لست على اعتقاد سديد في إيجاب التعجيل ، ولا أوثر أن يُلحق بالمذهب ، وإنما الملتحق بالمذهب الوجهان الآخران ، وليس كالنفقة ينقدها الزوج فلا يملك السيد التصرف فيه قبل الإتيان ببدله ؛ فإن ذلك المنقود شيء موجود تعلق به وثيقة الزوجة . 10145 - ومما أجراه العراقيون في أثناء الكلام أن قالوا إذا أعسر العبد بنفقة زوجته ، وعجز عن الكسب ، فهل تتعلق النفقة برقبته ؟ ذكروا في ذلك وجهين : أحدهما - أنه يتعلق بالرقبة ، وهذا لا يعرفه المراوزة ، وهو ساقط ؛ من جهة أن النفقة والمهر من حقوق المعاملات المتعلقة بالعقود ، وحقّ ما هذا سبيله ألاّ يتعلق إلا بالكسب ، ولست أرى لهذا الوجه الغريب الذي حكاه العراقيون وجهاً إلا التحاقَ العقد بأروش الجنايات ، وقد ذكرنا في النكاح الفاسد قولاً أن مهر المثل يتعلق بالرقبة ، وإن صدر النكاح عن إذن من له المهر . فإن قلنا : النفقة لا تتعلق بالرقبة ، فإذا تحقق الإعسار ، ثبت الفسخ ، فلو قال السيد : لا تفسخي حتى أنفق ، فهل لها أن تفسخ ؟ أوَّلاً - إذا أعسر الحر بنفقة زوجته ، فتبرع أجنبي بالنفقة ، لم يمتنع حقُّ الفسخ على الزوجة . وإن تبرع على الزوج ، فهو الممنون عليه ، ثم الزوج ينفق ، فلا تفسخ ، ولا شك في هذا . أما السيد إذا تبرع بالنفقة ، ففيه تردد ظاهر ، وسببه أن المنافع ملكُ السيد ، وكان للسيد أن يستخدم العبد ويؤدي النفقة من خاص ماله ، فإذا أدى الآن ، فليس على حكم المتبرعين . هذا وجه . ويجوز أن يقال : لا يجب على السيد أن ينفق إذا أعسر العبد ، فهو إذا بذل عند إعسار العبد متبرعٌ .
--> ( 1 ) المعنى : أنه لا يقدّم إلا نفقة اليوم ، مهما كان عدد الأيام التي استخدمه فيها قبلاً .